منتدى علمى و أدبى ورياضى


    إعجاز النظم في القرآن الكريم(6)

    شاطر

    adel elshamy

    المساهمات : 26
    تاريخ التسجيل : 31/07/2010
    العمر : 56

    إعجاز النظم في القرآن الكريم(6)

    مُساهمة  adel elshamy في السبت يوليو 31, 2010 10:13 am

    إعجاز النظم في القرآن الكريم(6)
    لإعجاز النظم عدة مظاهر تتجلى فيها :
    المظهر الأول : " الخصائص المتعلقة بالأسلوب "
    و إليك هذه الخصائص :
    الخاصة الأولى : إن هذا الأسلوب يجري عن نسق بديع خارج عن المعروف من نظام جميع كلام العرب، ويقوم في طرقته التعبيرية على أساس مباين للمألوف من طرائقهم . بيان ذلك أن جميع الفنون التعبيرية عند العرب لا تعدو أن تكون نظما أو نثرا، وللنظم أعاريض، وأوزان محددة معروفة، وللنثر طرائق من السجع، والإرسال وغيريهما مبينة ومعروفة . والقرآن ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده، وليس على سنن النثر المعروف في إرساله ولا في تسجيعه، إذ هو لا يلتزم الموازين المعهودة في هذا ولا ذاك، ولكنك مع ذلك تقرأ بضع آيات منه فتشعر بتوقيع موزون ينبعث من تتابع آياته، بل يسري في صياغته، وتألف كلماته، وتجد في تركيب حروفه تنيسقاً عجيباً يؤلف اجتماعها إلى بعضها لحنا مطرباً يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما قرأ، طالما كانت قراءته صحيحة . ومهما طفت بنظرك في جوانب كتاب الله تعالى ومختلف سوره وجدته مطبوعاً على هذا النسق العجيب فمن أجل ذلك تحير العرب في أمره، إذ عرضوه على موازين الشعر فوجدوه غير خاضع لأحكامه، وقارنوه بفنون النثر فوجدوا غير لاحق بالمعهود من طرائفه فكان أن انتهى الكافرون منهم إلى أنه السحر، واستيقن المنصفون منهم بأنه تنزيل من رب العالمين . وإليك أيها القارئ الكريم بعض الأمثلة التي توضح هذه الحقيقة، وتجلبها، قال تعالى :
    بسم اللَّهِ الرحمن الرحيم حم {1} تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {2} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {3} بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ {4} وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ {5} قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ {6} [سورة : فصلت ].و هذه الآيات بتأليفها العجيب، ونظمها البديع حينما سمعها عتبة بن أبي ربيعة وكان من أساطين البيان استولت على أحاسيسه، ومشاعره، وطارت بلبه، ووقف في ذهول، وحيرة، ثم عبر عن حيرته وذهوله بقوله : " والله لقد سمعت من محمد قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ...و الله ليكونن لقوله الذي سمعته نبأ عظيم" .
    و إليك سورة من سوره القصار تتجلى فيها هذه الحقيقة أمام العيان من ينكرها فكأنما ينرك الشمس في وضح النهار.
    بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {1} وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا {2} وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا {3} وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا {4} وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا {5} وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا {6} وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {10} كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا {11} إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا {12} فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا {13} فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا {14} وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا {15} [سورة الشمس ].
    تأمل هذه الآيات، وكلماتها، وكيف صيغت هذه الصياغة العجيبة ؟ وكيف تألفت كلماتها وتعانقت جملها ؟ وتأمل هذا النغم الموسيقي العذب الذي ينبع من هذا التالف البديع، إنه إذا لامس أوتاد القلوب : اهتزت له العواطف ن وتحركت له المشاعر، وأسال الدموع من العيون، وخرت لعظمته جباه أساطين البيان، أشهد أنه النظم الإلهي الذي لا يقدر على مثله مخلوق .
    و هذه الحقيقة توجد في سائر كتاب الله لا تتخلف في سورة من سوره ولا في آياته، ومن أجل ذلك عجز أساطين البيان عن الإتيان بأقصر من مثله .
    و في هذا يقول الرافعي رحمه الله : (وذلك أمر متحقق بعد في القرآن الكريم : يقرأ الإنسان طائفة من آياته، فلا يلبث أن يعرف لها صفة من الحس ترافد ما بعدها وتمده، وفلا تزال هذه الصفة في لسانه، ولو استوعب القرآن كله ،حتى لا يرى آية قد أدخلت الضيم على أختها، أو نكرت منها، أو أبرزتها عن ظل هي فيه، أو دفعنها عن ماء هي إليه : ولا يرى ذلك إلا سواء وغاية في الروح والنظم والصفة الحسية، ولا يغتمض في هذا إلا كاذب على دخله ونية، ولا يهجن منه إلا أحمق على جهل وغرارة، ولا يمتري فيه إلا عامي أو أعجمي وكذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) [1]".
    الخاصة الثانية :
    هي أن التعبير القرآني يظل جارياً على نسق واحد من السمو في جمال اللفظ، وعمق المعنى ودقة الصياغة وروعة التعبير، رغم تنقله بين موضوعات مختلفة من التشريع والقصص والمواعظ والحجاج والوعود والوعيد وتلك حقيقة شاقة، بل لقد ظلت مستحيلة على الزمن لدى فحول علماء العربية والبيان .
    و بيان ذلك أن المعنى الذي يراد عرضه، كلما أكثر عموما وأغنى أمثلة وخصائص كان التعبير عنه أيسر، وكانت الألفاظ أليه أسرع، وكلما ضاق المعنى وتحدد، ودق وتعمق كان التعبير عنه أشق، وكانت الألفاظ من حوله أقل .
    و لذا كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة والبيان هي ميادين الفخر والحماسة والموعظة والمدح والهجاء، وكانت أقل هذه الميادين اهتماماً منهم، وحركة بهم ميادين الفلسفة والتشريع ومختلف العلوم، وذلك هو السر في أنه قلما تجد الشعر يقتحم شيئاً من هذه الميادين الخالية الأخرى .
    و مهما رأيت بليغاً كامل البلاغة والبيان، فإنه لا يمكن أن يتصرف بين مختلف الموضوعات والمعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه، بل يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها، فربما جاء بالغاية ووقف دونها، غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب الله تعالى، فأنت تقرأ آيات منه في الوصف، ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة، وتقرأ بعد ذلك مقطعاً في التشريع وأحكام الحلال والحرام، فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع عجيب من الإشراق والبيان، وتنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها شامخة إليها . ودونك فأقرأ ما شئت من هذا الكتاب المبين متنقلاً بين مختلف معانيه، وموضوعاته لتتأكد من صدق ما أقول، ولتلمس برهانه عن تجربة ونظر[2].
    ويقول الرافعي في معرض حديثة عن أسلوب القرآن : لا ترى غير صورة واحدة من الكمال، وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب وموضع التأليف وألوان التصوير وأغراض الكلام " [3].
    و يقول في معرض حديثه عن " روح التركيب " في أسلوب القرآن : "و هذه الروح لم تعرف قط في كلا عربي غير القرآن، وبها انفرد نظمه، وخرج مما يطيقه الناس، ولولاها لم يكن بحيث هو، كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين، إذ نراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة، وتأليفها، ثم إلى تأليف هذا النظم، فمن هنا تعلق بعضه على بعض، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب، وأن العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب : كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم، ضرب الأمثال إلى نحوها مما يقدر عليه .
    و لولا تلك الروح لخرج أجزاء متفاوتة على مقدار ما بين هذه المعاني، وموقعها في النفوس، وعلى مقدار ما بين الألفاظ والأساليب التي تؤديها حقيقة ومجازا، كما تعرف من كلام البلغاء، عند تباين الوجوه التي يتصرف فيها، على أنهم قد رفهوا عن أنفسهم وكفوها أكبر المؤنة فلا يألون أن يتوخوا بكلامهم إلى أغراض ومعان يعذب فيها الكلام ويتسق القول وتحسن الصنعة مما يكون أكبر حسنة في مادته اللغوية، وذلك شائع مستفيض في مأثور الكلام إلى غيره، وافضوا بالكلام إلى المعنى ما يشبه في اثنين متقابلين من الناس منظر قفا إلى وجه
    و على أننا لم نعرف بليغاً من البلغاء تعاطى الكلام في باب الشرع وتقرير النظر، وتبيين الأحكام ونصب الأدلة وأقام الأصول والاحتجاج لها والرد على خلافها إلا جاء بكلام نازل عن طبقة كلامه في غير هذه الأبواب، وأنت قد تصيب له في غيرها اللفظ الحر والأسلوب الرائع والصنعة المحكمة والبيان العجيب، والمعرض الحسن فإذا صرت إلى ضروب من تلك المعاني، وقعت ثمة على شيء كثير من اللفظ المستكره، والمعنى المستغلق، والسياق المضطرب والأسلوب المتهافت والعبارة المبتذلة، وعلى النشاط متخاذلا، والعرى محلولة، والوثيقة واهنة " [4].
    الخاصة الثالثة : أن معانيه مصاغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على اختلاف مداركهم وثقافتهم وعلى تباعد أزمنتهم وبلدانهم، ومع تطور علومهم واكتشافاتهم .
    خذ آية من كتاب الله مما يتعلق بمعنى تتفاوت في مدى فهمه العقول، ثم اقرأها على مسامع خليط من الناس يتفاوتون في المدارك، والثقافة، فستجد أن الآية تعطي كلا منهم معناها بقدر ما يفهم، وأن كلا منهم يستفيد منها معنى وراء الذي انتهي عنده علمه .
    و في القرآن الكثير من هذا وذاك فلنعرض أمثلة منه :
    من القبيل الأول قوله تعالى :
    (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً) (الفرقان:61) فهذه تصف كلاً من الشمس والقمر بمعنيين لهما سطح قريب يفهمه الناس كلهم، ولها عمق يصل إليه المتأملون والعلماء، ولها جذور بعيدة يفهمها الباحثون والمتخصصون، والآية تحمل بصياغتها هذه الدرجات الثلاثة للمعنى، فتعطي طاقته وفهمه .
    فالعامي من العرب يفهم منها أن كلاً من الشمس والقمر يبعثان بالضياء إلى الأرض، وإنما غاير في التعبير عنه بالنسبة لكل منهما تنويعاً للفظ، وهو معنى صحيح تدل عليه الآية، والمتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية تدل على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة فلذلك سماها سراجاً، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه .
    الخاصة الرابعة : وهي ظاهرة التكرار .
    وفي القرآن من هذه الظاهرة نوعان :
    أحدهم : تكرار بعض الألفاظ أو الجمل .
    و ثاينهما : تكرار بعض المعاني كالأقاصيص، والأخبار .
    فالنوع الأول : يأتي على وجه التوكيد، ثم ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية، كالتهويل، والإنذار , التجسيم والتصوير وللتكرار أثر بالغ في تحقيق هذه الأغراض البلاغية في الكلام، ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم الْحَاقَّةُ {1} مَا الْحَاقَّةُ {2} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ {3} " وقوله تعالى : {25} سَأُصْلِيهِ سَقَرَ {26} وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ {27} .

    و النوع الثاني : وهو تكرار بعض القصص والأخبار يأتي لتحقيق غرضين هامين :
    الأول : إيصال حقائق ومعاني الوعد والوعيد إلى النفوس بالطريقة التي تألفها، وهي تكرار هذه الحقائق في صور وأشكال مختلفة من التعبير والأسلوب، ولقد أشار القرآن إلى هذا الغرض بقوله : (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً) (الاسراء:41) .
    الثاني : إخراج المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ والعبارة، وبأساليب مختلفة تفصيلاً وإجمالاً، الكلام في ذلك حتى يتجلى إعجازه، ويستبين قصور الطاقة البشرية عن تقليده أو اللحاق بشأوه، إذ من المعلوم أن هذا الكتاب إنما تنزل للإقناع العقلاء، من الناس بأنه ليس كلام بشر، ولإلزامهم بالشريعة التي فيه، فلابد فيه من الوسائل التي تفئ بتحقيق الوسيلة إلى كلا الأمرين .
    و من هنا كان من المحال أن تعثر في القرآن كله على معنى يتكرر في أسلوب واحد من اللفظ، ويدور ضمن قالب واحد من التعبير، بل لابد أن تجده في كل مرة يلبس ثوباً جديداً من الأسلوب، وطريقة التصوير والعرض، بل لابد أن تجد التركيز في كل مرة منها على جانب معين من جوانب المعنى أو القصة ولنضرب لك مثالاً على هذا الذي نقول : بقصة موسى عليه السلام إذ أنها أشد القصص في القرآن تكراراً، فهي من هذه الوجهة تعطى فكرة كاملة على هذا التكرار.
    وردت هذه القصة في حوالي ثلاثين موضعاً، ولكنها في كل موضع تلبس أسلوباً جديداً وتخرج أخراجاً جديدا يناسب السياق الذي وردت فيه، وتهدف إلى هدف خاص لم يذكر في مكان آخر، حتى لكأننا أمام قصة جديدة لم نسمع بها من قبل .
    الخاصة الخامسة :
    و هي تداخل أبحاثه، ومواضيعه في معظم الأحيان فإن من يقرأ هذا الكتاب المبين لا يجد فيه ما يجده في عامة المؤلفات والكتب الأخرى من التنسيق والتبويب حسب المواضيع، وتصنيف البحوث مستقلة عن بعضها، وإنما يجد عامة مواضيعه وأبحاثه لاحقة ببعضها دونما فاصل بينهما، وقد يجدها متداخل في بعضها في كثير من السور والآيات .
    و الحقيقة أن هذه الخاصة في القرآن الكريم، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده، واستقلاله عن كل ما هو مألوف ومعروف من طرائق البحث والتأليف
    عادل الشامى

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 6:13 pm